سبب امتلاك الموهبة للاعبي البيسبول، راقصي الباليه، وعازفي الموسيقى

هل تعتبر الموهبة موروثة أو بالتدريب ؟

في كتاب القمة “Peak” كتب آركسون وبول بأن: “في أي مجال من مجالات سعي الإنسان، يمتلك الأشخاص مقدرة هائلة على تطوير وتحسين أدائهم إذا ما تدربوا بشكل صحيح”.

ولكن هل حقيقة أن التدريب يؤدي إلى تطور أو بالأحرى تطور هائل في مستوى المهارة؟ أي هل تعتبر الموهبة الموروثة وهم؟

هذه حجة علمية من الصعب إثباتها، وهي المشكلة التي وقع فيها كتاب “القمة”.

وحذف أو أغفل ركسون وبول تفاصيل حاسمة ومهمة من الدراسات التي استعرضاها، مثال على ذلك، على الرغم أنهما زعما أن نتائج تجربة التدريب التي أجرتها ساكاكيبارا تشير إلى أن أي شخص يمكنه اكتساب مهارة “احترافية التعرف على النغمات الموسيقية” إلا أن العينة التي شملتها تلك الدراسة لم تشمل أي شخص، وإنما شملت على أطفال التحقوا بمدرسة خاصة بالموسيقى في عمر صغير جدًا، “حيث كان متوسط العمر الذي بدأ فيه التدريب هو أربع سنوات”،فلا يبدو أنه من الممكن اعتبار هذه العينة غير العشوائية ممثلة لعامة الموهوبين والهواة الموسيقيين– أي ما يعرف بالعوامل التي تتأثر بالعوامل الوراثية. كما أنه ليس من الواضح إذا ما كان الأطفال قد اكتسبو مهارة “الاحترافية في التعرف على النغمات الموسيقية” لأنه لم يكن هناك مقارنة بين الأطفال الذين خضعوا للتدريب وبين أشخاص أو أطفال آخرين يمتلكون مثل هذه الموهبة النادرة، على سبيل المثال من ناحية سرعة تحديد النغمات أو الارتباطات العصبية للأداء.

وكمثال آخر، من خلال وصف نتائج دراسة أجراها آركسون مع مجموعة من الزملاء على راقصي الباليه، زعم آركسون وبول أن “العامل الرئيسي الوحيد الذي حدد مدى قدرة راقص الباليه على الوصول إلى أعلى مستوى مهارة في رقص الباليه هو مجموع عدد الساعات التي يخصصها للممارسة والتدريب.”. كما “لم يكن هناك دليل على أن شخصا ما قد وُلِدَ ولديه تلك المهارة ومكنته من الوصول إلى أعلى المستويات في الباليه دون العمل باجتهاد أو بذل مزيد من الجهد أكثر من الآخرين”. ولم يذكر مقدار الارتباط بالضبط– أي قيمة 0.42 التي أظهرتها الدراسة، في حين تعتبر 1.0 هي درجة الكمال.

وحقيقة أن مقدار الارتباط كان متوسط يعني أن هناك عوامل لم تقاس في الدراسة، بما في ذلك المواهب الموروثة- والتي كان من الممكن أن تعطي تفسيرًا أفضل للفروقات في مهارة الباليه أكثر مما أظهرته نتاءج الممارسة أو التدريب. كما هو الحال دائما في المناقشات العلمية، فإن الشيطان يكمن في التفاصيل وهذا هو الحال في المناقشات المرتبطة بأصول الخبرة. كما أغفل آركسون وبول أدلة واضحة تدور حول دحض الحجج المخالفة لأهمية الموهبة فعلى سبيل المثال، زعما أن لاعبي البيسبول المحترفين ليس لديهم قدرة على الإبصار أفضل من الأشخاص العاديين ولكن هناك أدلة تثبت عكس ذلك.

وفي دراسة نشرت في المجلة الأمريكية لطب العيون، قام دانيل لابي ومجموعة من الباحثين بتقييم نظر لاعبي دوري البيسبول الأساسي والثانوي في منظمة دجرز بلوس أنجلوس على مدى 4 مواسم تدريبية أثناء فصل الربيع. وكما يروي ديفد أبتساين في كتابه “جين الرياضات”، في اسنة الأولى من الدراسة استخدم الباحثون اختبارًا معياريًا لحدة البصر، واتضح بأنه كان سهلًا جدًا، فقد حصل 80% من اللاعبين على درجة الكمال 20-15، وهذا يعني أنهم يمكنهم الرؤية على مدى 20 قدم ما يمكن للشخص العادي أن يراه على مدى 15 قدم. وفي المواسم التالية، وباستخدام اختبار مخصص، وجد لابي وزملاؤه أن 77% من بين 600 عين أجري عليها الاختبار لديها حدة بصر تبلغ 20-15 درجة أو أفضل من ذلك، بمتوسط يبلغ 20-13. وحتى بالنسبة للشباب الصغار، تعتبر هذه حدة بصر ممتازة. وعمومًا، خلص لابي وزملاءه إلى أن لاعبي البيسبول المحترفين لديهم مهارات إبصار ممتازة. وهناك عوامل مثل متوسط حدة البصر، وحدة مسافة الرؤية، وحساسية التباين تكون لدى هؤلاء الاعبين أفضل من عامة الناس”.

ومن بين أمثلة الحذف الملحوظة الأخرى في كتاب “القمة”، دراسة ل18 أعجوبة بشرية حتى اليوم، أجرتها جوان روثساتز وزملاءها والتي تعتبر أوسع دراسة للقدرات العقلية للمبدعين حتى اليوم.

“وبالنظر إلى ندرة العجائب البشرية أو المبدعين الخارقين، تعد دراسة عينة مكونة من 18 أعجوبة بشرية كبيرة جدًا في هذا المجال البحثي”. فقد أعطى الباحثون اختبارًا معياريًا للمبدعين لمقياس الذكاء، ووجدوا أن جميعهم حققوا نتائج عالية في الذاكرة العاملة، “معظمهم أعلى من 99 نسبة مئوية” وأما متوسط درجة العينة، كان أعلى من 1%. والعامل الرئيسي وراء القدرة على اكتساب مهارات معقدة، يكمن إلى حد كبير في كون الذاكرة العاملة موروثة.

المصدر:
https://www.scientificamerican.com/article/is-innate-talent-a-myth/