كيف يتغير دماغك بعد تعلمك لمهارة ؟

العامل المشترك بين الموهوبين هو التدريب

يملك كلاً من الموسيقيين والرياضيين وأبطال لعبة كويز بأول شيئاً مشتركاً فيما بينهم ألا وهو التدريب. تعلم العزف على آلة موسيقية أو رياضة معينة يتطلب الوقت والصبر. كل ما في الأمر هو السعي بشكل ثابت نحو إتقان مهارات جديدة. ينطبق الأمر ذاته على تعلم معلومات جديدة مثل التحضير للعبة كويز باول أو الدراسة لاختبار مهم. كما يحلو للمعلمين والمدربين والأباء في كل مكان أن يقولوا: “المِران يؤدي إلى الكمال.”

تكرار عمل شيء ما تارة تلو الأخرى لا يجعله أسهل فحسب بل التكرار يغير تركيبة الدماغ كذلك. قد لا يبدو مفاجئاً أن الكيفية التي يحصل فيها ذلك لا تزال غامضة منذ مدى بعيد. يعرف العلماء أن الدماغ يستمر بالتطور خلال سنوات مرحلة المراهقة وكانوا يظنون أن تلك التغييرات تتوقف عندما ينضج الدماغ لكنهم لا يعتقدوا بصحة ذلك بعد الآن.

تظهر البيانات الحديثة أن الدماغ يستمر بالتغير طوال حياة الفرد. تنمو الخلايا وتكوّن وصلات مع خلايا جديدة في حين يقطع بعض منها الصلات مع خلايا أخرى. ليس الخلايا العصبية فحسب من يتحول ويتغير مع عملية التعلم بل الخلايا الدماغية الأخرى أيضاً. بدأ العلماء بسبر أغوار الكيفية التي نتعلم بها، ليس في الكتل الكبيرة للأنسجة الدماغية بل حتى داخل الخلايا الفردية.

تغير وصلات الخلايا الدماغية :

الدماغ ليس قطعة كبيرة من الأنسجة. يبدأ الدماغ بالتكون نحو أجزاء مختلفة خلال الأسبوع السادس والسابع من مرحلة التطور الجنينية. وفي مرحلة لاحقة، تقوم كل منطقة دماغية بأخذ دور مختلف مخصص. القشرة الأمام جبهية مثلاً وهي منطقة دماغية تقع وراء جبين الوجه والتي يحدث فيها عملية حل المشكلات. هناك أيضاً أجزاء أخرى من القشرة الدماغية (الطبقة الخارجية من الدماغ) تساعد في معالجة المشاهد والأصوات. في عمق الدماغ، يقوم الحصين بتخزين الذكريات. كما يقوم بإستنتاج الأمكنة التي توجد فيها الأشياء من حولك.

يستطيع العلماء رؤية الجزء النشط من الدماغ عن طريق استخدام التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي. في وسط كل جهاز هناك مغناطيس قوي يسمح له بإكتشاف التغيرات في جريان الدم. في الوقت الحالي، حين يطلب عالم من متطوع أن يمارس مهمة معينة كاللعب أو تعلم شيء جديد، تظهر الآلة موقع أعلى مكان لجريان الدم في الدماغ. تلك الزيادة في جريان الدم تبرز الخلايا المشغولة بالعمل.
كثير من العلماء المختصين بالدماغ يستخدمون التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي لتخطيط النشاط الدماغي. وبعض منهم يستخدم نوع أخر للفحص الدقيق للدماغ، ما يعرف بالتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني. نفّذ الخبراء العشرات من دراسات كتلك. قامت كل دراسة بفحص كيف تستجيب مناطق معينة في الدماغ لمهام معينة. فعل العالِم نيثين سبرينق وهو شيئاً مختلفاً قليلاً عن سابقيه حين قرر دراسة الدراسات. يجدر التعريف بسبرينق أنه مختص بالعلوم العصبية في جامعة كورنيل. علماء العلم العصبي كأمثاله يدرسون الدماغ والجهاز العصبي. ما أراد سبرينق معرفته هو كيفية تغير شكل الدماغ حين نقوم بعملية التعلم.

اشترك في بحثه مع باحثين أخرين وقام ثلاثتهم بتحليل ثمانية وثلاثين دراسة سابقة. كل دراسة استُخدم فيها التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي أو التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني لفحص المناطق الدماغية التي يتم تنشيطها حين يتعلم الناس مهام جديدة. المناطق الدماغية الي تخول البشر للانتباه أصبحت في أقصى نشاطها حينما تعلم الفرد مهمة جديدة. بينما المناطق المتعلقة بأحلام اليقظة ومناطق شرود الذهن أصبحت في أقصى نشاطها عندما اعتاد الناس على مهمة معينة.

يقول سبرينق: “في البداية، يتطلب منك الأمر الكثير من الانتباه المركز.” تعلم أرجحة المضرب في لعبة كرة القاعدة يتطلب الكثير من التركيز حين تحاول إصابة الكرة في البداية لكن كما يذكر سبرينق، كلما تمرنت أكثر، قل تفكيرك بما تفعله.
التدريب المكثف يمكن له أن يسمح للمرء أن يؤدي مهمة ما أثناء تفكيره في أشياء أخرى أو لا شيء على الإطلاق. كمثال، يمكن لعازف بيانو محترف أن يقوم بعزف مقطوعة موسيقية معقدة بدون التفكير في النغمات التي يجب عليه أن يعزفها. في الواقع، يمكن للتوقف عن التفكير أن يحول بينه وبين أداء خال من أي عيب. هذا ما يشير له الموسيقيون والرياضيون بالوجود “في المنطقة”.

الخلايا التي تطلق إشارات، تتصل ببعضها:

تخص نتائج سبرينق الدماغ بوجه الإجمال لكن في الواقع أن تلك التغيرات تعكس ما يحدث على مستوى الخلايا الفردية. يتكون الدماغ من بلايين الخلايا الدماغية أو ما تسمى كذلك بالخلايا العصبية أو العصبونات. هذه الخلايا تتصف بأنها ثرثارة. “تتحدث” مع بعضها البعض عادة عن طريق مراسيل كيميائية. الإشارات الواردة تؤدي إلى جعل الخلايا “المستمعة” ترسل إشارات خاصة بها. تفعل الخلية ذلك حين تعبر إشارة كهربائية خلالها. تبتعد الإشارة عما يسمى بجسم الخلية مرورًا بتركيب طويل يسمى محور الخلية العصبية. حين تصل الإشارة نهاية المحور، تؤدي إلى إطلاق تلك المراسيل الكيميائية والتي تقفز عبر فجوة صغيرة وهذا يثير الخلية التالية لترسل إشارة وهكذا تستمر.

حين نتعلم شيئا جديداً، تصبح الخلايا التي ترسل وتستلم معلومات تخص هذه المهمة فعالة أكثر فأكثر. ويتطلب جهد أقل منها لإرسال إشارة للخلية التالية كي تخبرها عما يحدث. يمكن القول إنه بمعنى ما، الخلايا العصبية تصبح حينذاك متصلة مع بعضها البعض. سبرينق هو من اكتشف هذا الاتصال الذي يحدث. حين تصبح الخلايا في منطقة دماغية مرتبطة بمهمة معينة أكثر فعالية، فإنها تستخدم طاقة أقل حين “الحديث” مع الخلايا الأخرى. ويسمح هذا بخلايا عصبية أكثر في منطقة “حلم اليقظة” الدماغية أن تسرع من نشاطها.
تستطيع الخلايا العصبية أن ترسل إشارات لعدد من الخلايا المجاورة في الوقت ذاته. كمثال، قد ترسل أحد الخلايا العصبية معلومات عن موقع زاوية هجوم كرة القاعدة الطائرة باتجاهك. وفي هذه الأثناء، تقوم خلايا عصبية أخرى بتنبيه عضلاتك لتستعد لأرجحة المضرب. عندما ترسل الخلايا العصبية إشارات في نفس الوقت فإن الوصلات بينها تقوى. وهذا يحسّن من قدرتك في الاتصال مع الكرة.

المصدر:
https://www.sciencenewsforstudents.org/article/learning-rewires-brain