ما علاقة صفات والداك باتقانك للموسيقى ؟

الجينات الوراثية تحدد قدرتك على العزف

تُشير دراسةٌ حديثةٌ إلى أن أهم عاملٍ يؤثر على الموهبة الموسيقية هو كَيفية تَفاعُل جِيناتنا مع البيئة المُحيطة بنا. وليستْ فقط الصفات المتأثرة وراثيًا وحدها مَن تُساهم في معرفة ما إذا كان الشخصُ قادرًا على ممارسةِ العزف، بلْ أظهرت بياناتْ دراسة هامبريك أن نسبة التأثير الوراثي على النجاح والتفوق في المجال الموسيقي كانت أكبر عند الأشخاص الذين مارسوا العزفَ باستمرار، حيثُ كان يُعتقد سابقًا أن من يَدفع الأشخاص ويُساعدهم ليبدأوا بنشاطٍ أو هوايةٍ معينة ما هي إلا جيناتُهم الوراثية إلاّ أن المهارة المُستمدة من المُمارسة يُمكن أن تتفوق في نهايةِ المَطاف على أي جين وراثي.

ولكن يقولُ هامبريك “تشير نتائجنا إلى عكسِ ذلك” فيشرح “يُصبح دور الجينات أكثرَ أهميةً في التمييز بين الأفراد كلما تدرب الشخص ومارسَ نشاطهُ… إن أكثَر ما يُعززُ الإمكانيات الوراثية للأداء الماهر هي الممارسة، بمعنى آخر الناس لديهم قدراتٌ أساسيةٌ مُحَدّدةٌ وراثيًا أو ما يسمى بالمواهب وهذا ما يجعلُ بعض الأشخاص أفضلَ أو أسوأَ في بعض المهارات، ولكن يُمكن رعايةُ الشخص والاهتمام بموهبتِه من خلالِ التأثيرات البيئية المحيطةِ به، وأضافَ هامبريك قائلًا بكلِ صِدق “إن كُنتَ تَطمحُ بأن تُصبح موسيقيًا محترفًا أو لاعبَ غولف بارع فَتَدرَّب!”.‬‬

أَجرتْ ميريام أي موسينغ من معهد كارولينسكا في ستوكهولم دراسةً مماثلةً في مجالِ عِلم النفس حيث استندت بشكلٍ أكبر على دورِ الجينات الوراثية في بِناء المَوهبة الموسيقية. فبحثت موسينغ وزملاؤها حَول العلاقة بين مُمارسة العزف وبعض القُدرات الموسيقية المُحدّدة مثل الإيقاع الموسيقي والنَغمة الموسيقية وتمييز اللحن على أكثر من 10000 توأم سُوَيدي مُتطابق. حيثُ أفادت هذه الدراسة أن نسبة المَيل إلى الممارسة كانت ما بين 40% و70% ميلًا وراثيًا، وأنهُ لا يوجد فَرق في القُدرة الموسيقية بينَ التوائم بالرغم من تَفاوت ما يقضُونه من وقتٍ في الممارسة، وكما استنتجوا “أن هذا قد لا يُؤثر تأثيرًا فعليًّا على القُدرة الموسيقية وإنما ما يُؤثر على كل من القُدرة والرَغبة في التَدريب هو التباين الوراثي بين الأفراد”.

وعلى الرُغم من تَركيز الدراستين الحديثتين على المَوهبة الموسيقية، إلا أنهُ ومن خلال النتائج النظرية يُمكن استنباط العديد من الأنشطة والمواهب الإبداعية والخَلاَّقة الأُخرى. فتُشير بيانات مُماثلة إلى دَور العُنصر الوراثي في إتقان لُعبة الشطرنج واحترافها، حيثُ يقوم هامبريك حاليًا بتحليل نَفس مجموعة البيانات للتوائم وذلك لتَقييم الجينات الوراثية وأثرها في الموهبة العلمية. وبشكلٍ مُبسّط يُمكن افتراض أن جميع مواهبنا وخصائصنا المعرفية تقريبًا تتأثرُ جزئيًا بسلاسل نوكليوتيدات، حيثُ تتوزع الأنشطة المعقدة سواءً كانت أنشطةً إبداعيةً أو تقنيةً على العديدِ من مناطق الاتصال في الدماغ (وبعيدًا عن التبسيط المُبالغ فالجزء “الأيمن والأيسر من الدماغ” مُكَلّفان بالمَهام ذات الأنواع التحليلية والإبداعية). وتُشَكّل الشفرة الوراثية الهيكل والمخطط العام للدماغ طيلة فترة النمو، بالإضافة إلى قِيام الجينات بتَشْفير البروتينات التي تُدير أجسادنا وعُقولنا في حين تَربط الكثير منَ البيانات الصِفات الوراثية المُحَدّدة مع القُدرات المَعرفية المُختلفة.

وكباقي الدراسات، وصلتْ دراسةُ هامبريك إلى حُدودِها. وكانت التَقييمات للموهبة الموسيقية ومُمارستها “كبيرةً إلى حدٍ ما” حيثُ كانت مواضيع الدراسة تَدور حَول الطُلاب المُتفوقين في المقام الأول على الرُغم من أنهم لم يُختيروا بناءً على قُدراتهم الموسيقية المُميزة. ويطرحُ عملُ كلٍ من هامبريك وموسينغ وبالرُغم من تجاوز نطاق أبحاثهم السؤال التالي، ما مَعنىْ أن يَكونَ الشخصُ “جيدًا وموهبًا” في شيءٍ ما؟ وكيفَ يُمكن تَحقيق التَوافق والتَوازن بينَ الكفاءة التقنية والقيمة الفنية أوالإبداعية؟ حيثُ يُمكن أن يَمتلك الشخص البراعة الموسيقية اللازمة لتَحقِيق النَجاح إلاّ أن هذه البراعة قد لا تَفْتِنُ قُلوبَ الجماهير وتَأسُرهَا في حين يُمكن لشخصٍ هاوٍ يرتجل العزَف على الغيتار أن يَخطِف قُلوبَ الجَماهير ويُلامس أعماقهم ويُغير عُقولهم، فيقول هامبريك “لا أحَد يَنكْر أن فرقة البانك سيكس بيستولز وفرقة رامونس وحتى البيتلز والرولينج ستونز كانوا من أكثرِ الموسيقيينَ كفاءةً من الناحية التقنية”، “لكنهم ومع ذلك خَلقوا شيئًا ولسببٍ ما بقيَ محفورًا في الذاكرة وأذهل الناس جميعًا، وأعتقدُ أنهُ من المثيرِ للاهتمام قياسُ كلٍ من الإبداع والمهارة التقنية تحت نفس العينة، فتَخْميني أنَ كِلاهُما يَتأثرُ بالجينات ولكن لكلِ واحدٍ جينٌ مُختلف”.
ورُبما من المُقلق أن قُدراتنا قد تتأثرُ بالصفات المتنحية – ظهور جينات من الجيل الثالث وما سبقه – ولكن حينها منَ المُمكن أن يبرُعَ بعضُ الأشخاصِ في العَزفِ على الغيتار أو النَفخ في البوق أو الفوز في مسابقات الهواة في مسرح أبولو. ويَرى هامبريك أن نتائجهُ هادفة وبنَّاءة، فإذا كانت طَريقتنا التي نَتّبِعُها من أجل أن نُصبح بارعين فيما نَفعله لا تَكفي يُمكننا عِندها أن نَستهدف ونُعززَ نقاط قُوتنَا، والأهمُ من ذلك يجبُ أن نتجنبَ وضعَ توقعاتٍ غير واقعيةٍ للأطفال: “أعتقدُ أنهُ من المهم السماح للأطفالِ بتجربةِ الكثيرِ منَ الأشياءِ الجديدةِ والمختلفة … ومعرفةِ ما يُجيدونَ فعله والذي قد يستمتعون بالقيام به، لكن لا يُمكن تبريرُ الفكرة القائلة بأنَ أيَ شخصٍ يُمكن أن يُصبح خبيرًا أو بارعًا في أي شيء علميًا، والتظاهُر بعكسِ ذلكَ يضُر المجتمع والأفراد”.

المصدر:
https://www.scientificamerican.com/article/what-do-great-musicians-have-in-common-dna/