هل الموهبة موروثة عند ولادتنا ؟ أم تكتسب خلال حياتنا ؟

العوامل الكامنة وراء أداء الموهبين معقدة جداً

يروق لنا الاعتقاد أن “كل ما يتطلبه الأمر هو مجرد الكثير من الممارسة” ولكن العوامل الكامنة وراء أداء الموهبين الخارقين اكثر تعقيدًا من ذلك.

كثيرًا ما يدهشنا مستوى أداء الموهوبين الخارقين، ففي الألعاب الصيفية الأولمبية 2016 في ريو، بدت سيمون بايلز وكأنها تتحدى الجاذبية أثناء تدريبات الجمباز الروتينية، وسخرت ميشيل كارتر قوة الإنسان الخارقة لكسب الميدالية الذهبية في رياضة دفع الجلة، وحصد مايكل فلبس خمس ميداليات ذهبية محطمًا بذلك رقمًا قياسيًا ليصل مجموعها إلى 23 ميدالية خلال مسيرته المهنية.
في محادثاتنا اليومية، نقول بأنه من المؤكد أن أداء النخبة من الموهوبين مثل بايلز، وكارتر، وفلبس، قد أتى “بالفطرة”، أي أن “لديهم مواهب لا يمكن تعليمها”، ولكن ماذا يقول العلم؟ هل الموهبة الموروثة وهم؟ يأتي هذا السؤال محوارًا رئيسيًا لكتاب جديد بعنوان “القمة: أسرار من العلم الجديد للخبرة” بواسطة عالم النفس بجامعة ولاية فلوريدا أندرز آركسن وكاتب العلوم روبرت بول.

ويرى آركسن وبول، أنه باستثناء طول الجسم ومقاسه، فإن الفكرة القائلة بأننا محكومون بالعوامل الوراثية –الموهبة الموروثة- تعتبر وهم خطير.
ويقول إريكسون وبول: “إن الاعتقاد بأن قدرات المرء مقيدة بخصائص وراثيا معينة… تتجلى في جميع أنواع عبارات” لا أستطيع “أو” أنا لست “.
أن أساس الوصول للأداء الاستثنائي، كما يعتقدان، يتمثل في “العمل باجتهاد وتركيز لآلف وآلاف الساعات”.

ولإثبات حجتهما، استعرض آركسون وبول أدلة مختلفة من مجموعة واسعة من الدراسات التي تبين أثر التدريب على الأداء. ففي إحدى الدراسات، وجد آركسون وزميله الراحل ويليام تشيس، أنه من خلال حوالي 230 ساعة من الممارسة استطاع طالب بإحدى الكليات أن يزيد ذاكرة حفظه لمجموعة من الأرقام العشوائية من مجرد حفظ 7 أرقام إلى 80 رقمًا. وفي دراسة أخرى قامت عالمة النفس اليابانية أياكو ساكاكيبارا بإلحاق 24 طفل من مدرسة طوكيو الخاصة للموسيقى في برنامج تدريبي صمم للتدريب على مهارة “الاحترافية في التعرف على النغمات الموسيقية” وهي القدرة على تحديد النغمة الموسيقية من دون الاستماع إلى نغمات موسيقية أخرى كمرجع. وبصحبة مدرب كان يعزف على آلة البيانو، تعلم الأطفال تحديد مجموعة من النغمات المتجانسة أو ما يعرف ب”الكوردات الموسيقية” باستخدام أعلام ملونة، مثلا: العلم الأحمر للكورد “CEG” والعلم الأخضر للكورد ” DGH”.
وبعد ذلك، اُختُبِرَ الأطفال في مدى قدرتهم على تمييز أصوات نغمات منفردة حتى وصلوا إلى مستوى قياسي من البراعة. ووبنهاية الدراسة، تبين أن لدى الأطفال قدرة على اكتساب مهارة “الاحترافية في التعرف على النغمات الموسيقية”. وبناءًا على تلك النتائج، خلص آركسون وبول أن الاستنتاج الواضح من هذه الدراسة أن مهارة “احترافية التعرف على النغمات الموسيقية” أبعد من أن تكون مجرد موهبة مُنَحَت لقلة محظوظة دون غيرهم، وإنما هي إمكانية يمكن لأي شخص اكتسابها بالممارسة الصحيحة والتدريب المناسب”.

وهذا النوع من الأدلة يجعل من أهمية التدريب مسألة مقنعة ليصبح الشخص خبيرًا في مجال ما، فلا أحد يصبح خبيرًا بين ليلة وضحاها، وآثار التدريب المطول على الأداء أكبر مما يبدو. وهذا ما أدركه علماء النفس منذ فترة طويلة. ففي عام 1912م، كتب إدوارد ثورندك، مؤسس علم النفس التربوي، “نبقى في أقل حدود إمكاناتنا، تقريبًا في كل ما نقوم به… ليس لأن التدريب المناسب لا يطورنا أكثر، ولكن لإننا لا نأخذ التدريب على محمل الجد، أو لأننا نتدرب بأقل قدر ممكن من الحماسة”.

المصدر:
https://www.scientificamerican.com/article/is-innate-talent-a-myth/