لماذا تسمى الكواكب بالرجال أكثر من النساء ؟

حين يطالع علماء الفلك الذكور السماء سيجدون نماذج أكثر رقيًا،فالكوكبات سُميت تيمنًا برجال سطروا قصصًا عن بطولاتهم وغزواتهم لا عن الانصياع والمطاوعة.

تصارع الشاعرة آدرينّ ريتش في قصيدتها المنشورة سنة 1968 الميلادية بعنوان القبة الفلكية أزمة الهوية الأنثوية بعدسة علم الفلك،و التي ألهمتها لكتابتها الفلكية كارولاين هيرشيل التي وُلدت في ألمانيا سنة 1750 والتي اكتشفت وجود ثمانية مذنبات و ثلاثة سُدم و حظيت أعمالها باستحسان ملك بروسيا و المجمع الملكي لعلم الفلك في لندن. ولكنها و بالرغم من كل هذا ظلت مغمورةً مقارنة بأخيها وليام الذي اكتشف وجود الكوكب أورانوس.

ما زال علم الفلك حتى اليوم الحقل العلمي الوحيد الذي يعتمد بشدة على الميثولوجيا اليونانية والرومانية القديمة في التقليد المتبع لتسمية المكتشفات. ولطالما امتزج علم الكونيات و الميثولوجيا في التاريخ الإنساني لذا ليس من المفاجئ أن علماء الفلك اليوم يعتنقون نفس التقليد. لكن الأساطير الكلاسيكية والميثولوجيا كارهة للنساء بشدة،وتستخدم ذلك لتسمية الأجرام السماوية المُكتشفة في الحضارة العلمية التي تحط من قدر النساء كأمثال كارولاين. فالآلهة والشخصيات المهمة في هذه الأساطير تتمتع بقوة لامتناهية بينما تعاني نظيراتهن من النساء العنف والإهانة.

سمينا في الميثولوجيا ما ادعينا أنه الفردوس بالاسم ذات الكرسي (Cassiopeia) و هي كوكبة موجودة في النصف الشمالي للكرة الأرضية،وهو اسمٌ مشتقٌ من اسم الملكة الأسطورية أثييوبيا والتي عاقبها بوسيدون بسبب كِبرها بتقييدها بعرشها. ولم تنجو ابنة الملكة ذات الكرسي أندروميدا من خطايا والدتها حيث قُيدت عارية على صخرة وانتظرت أن يغتصبها قيطس وحش البحر. و وفقًا للأسطورة أنقذ بيرسيوس أندروميدا وتزوجها -ولكن كـ كوكبة فقط- حيث بقيت منتظرة مقيدة إلى صخرتها.

أما الثريا والتي تُعرف أيضًا باسم الأخوات السبع وهي عنقود نجمي في كوكبة برج الثور،فقد كانت سابقًا سبعة نساء رقصنّ مرة تحت سماء الليل لكن أوريون رغب بهن فاصطادهن واحدة تلو الأخرى لمدة سبع سنوات. ولمساعدة الأخوات على الهرب حولهن زيوس إلى نجمات ولكن أوريون -وهو كوكبة أخرى أيضًا- بقي يطاردهن ليلة إثر أخرى.

حين يطالع علماء الفلك الذكور السماء سيجدون نماذج أكثر رقيًا،فالكوكبات سُميت تيمنًا برجال سطروا قصصًا عن بطولاتهم وغزواتهم لا عن الانصياع والمطاوعة. وحتى اليوم ما زالت ناسا تُعيد استخدام أسماء الشخصيات الأسطورية في الميثولوجيا والرجال العظماء في التاريخ لتسمية المركبات الفضائية والبعثات. فأوريون المركبة الفضائية التي تضم بعثة كان من المفترض أن تسافر إلى المريخ سميت تيمنًا بأوريون نفسه الذي اصطاد الأخوات السبع. وكذلك كيبلر و غاليليو و كوبرنيكوس و كاسيني جميعها أسماء بُنيت على الأساس العلمي الذي يستثني النساء من أمثال كارولاين لتسمية المركبات الفضائية غير المزودة بطاقم التي أرسلت لاستكشاف المذنبات. بل وحتى المركبات الفضائية التي تبدو بأسماء محايدة جنسيًا فهي تحمل مضامين للذكور:فالرحلتان فوياجر و بيونير تستحضران الرجال الذين تركوا منازلهم وتركوا الأرض بطوليًا في رحلات للإكتشاف.

مع ذلك فهناك استثناءات:فإحدى رحلات اكتشاف المريخ سُميت ب سوجورنر تيمنًا بـ سوجورنر تروث والتي كانت إحدى العبيد لتهرب وتصبح بعد ذلك مدافعة على حقوق المرأة ومؤيدة لإلغاء الرق. ولكن يقال أن اختيار هذا الاسم كان اقتراحًا من فتاة في الثانية عشر من عمرها في مقال كتبته لإحدى المسابقات ولم يكن صادرًا عن المجتمع العلمي. كما توجد أيضًا مركبة فضائية في المدار الموجود خلف القمر مُسماة باسم الآلهة أرتميس،وهي آلهة الصيد والعذرية والإنجاب في الميثولوجيا الإغريقية.وبالرغم من اختيار هذا الاسم إلا أن له مضامين جنسانية حيث أن هذه الآلهة مرتبطة بالطهارة والأمومة وهما الصفتان الشائعتان للأنوثة. أما المركبة الفضائية بلا طاقم التي تراقب حاليًا كوكب المشتري فتدعى جونو،وجونو هي زوجة جوبتير في الميثولوجيا الإغريقية والتي امتلكت القدرة على النظر عبر الغيوم في الضباب الذي كان جوبتير يستخدمه لإخفاء خياناته الزوجية. وستحذو جونو المركبة الفضائية حذو غيرها من المركبات التي تحمل أسماء إناث لاكتشاف المذنبات حيث ستتضمن المهمة مجازًا يضل على مهمة المرأة في المنزل. (عادةً ما يختصر اسم أليس باومان مديرة عمليات مهمات اكتشاف الأفق الجديد في ناسا لدراسة الحدود الخارجية للنظام الشمسي إلى ” MOM” أي أم).

كما هو الحال بالنسبة للنساء في الميثولوجيا فإن كارولاين هيرشيل رأت بمنظارها أن هويتها تعتمد على الرجال الأقوياء في مجالها، وتبعًا لذلك أدركت كارولاين أنها مجرد مساعد لوليام لا عالمة بذاتها بأحقية تامة ولذلك كتبت: “أنا لا شيء. لم أفعل أي شيء إطلاقًا،وكل ما أنا عليه وكل ما أعرفه أدين به لأخي. أنا الأداة التي شكلها هو وفقًا لاستخدامه”. تُصور النساء في مجال الكونيات إما كوحوش وإما كحاضنات في المنزل ولذا ليس من المفاجئ أن تختار كارولاين هويتها الذاتية كشخص ثانوي.

لا تزال السماء اليوم مُصفاة وفقًا لتقليد كره النساء الميثولوجي. ومع أن تقليد تسمية المراكب الفضائية والكوكبات حذق وبارع إلا أنه يُظهر بوضوح أن تخصص علم الفلك مخلد لثقافة غلبة الرجال. ولا يكمن الحل ببساطة في تسمية المزيد من الأجرام السماوية بأسماء أنثوية،ولكن يجب أن يبدأ التغيير بإدراك أن الصورة الذاتية للفلك مبنية على العادة القديمة لرواية قصص الإساءة للنساء.

مراجعة: أسماء الخليف

المصدر:

https://aeon.co/ideas/the-struggle-of-women-in-science-is-written-in-the-stars